محمد بن جرير الطبري

292

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله عز ذكره : { وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 35 ) } قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه للمؤمنين به وبرسوله : وجاهدوا ، أيها المؤمنون ، أعدائي وأعداءَكم = في سبيلي ، يعني في دينه وشَرِيعته التي شرعها لعباده ، وهي الإسلام . ( 1 ) يقول : أتْعِبُوا أنفسكم في قتالهم وحملهم على الدخول في الحنيفية المسلمة ، ( 2 ) = " لعلكم تفلحون " ، يقول : كيما تنجحوا ، فتدركوا البقاء الدَّائم والخلود في جناته . * * * وقد دللنا على معنى " الفلاح " فيما مضى بشواهده ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ( 3 ) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) } قال أبو جعفر : يقول عز ذكره : إن الذين جحدوا ربوبية ربّهم وعبدوا غيرَه ، من بني إسرائيل الذين عبدوا العجل ، ومن غيرهم الذين عبدوا الأوثان والأصنام ، وهلكوا على ذلك قبل التوبة = لو أن لهم مِلك ما في الأرض كلِّها وضعفَه معه ، ليفتدوا به من عقاب الله إياهم على تركهم أمرَه ، وعبادتهم غيره يوم القيامة ، فافتدوا بذلك كله ، ما تقبَّل الله منهم ذلك فداءً وعِوضًا من عذابهم وعقابهم ، بل هو معذّبهم في حَمِيم يوم القيامة عذابًا موجعًا لهم .

--> ( 1 ) انظر تفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة . ( 2 ) انظر تفسير " جاهد " فيما سلف 4 : 318 . ( 3 ) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف 1 : 249 ، 250 / 3 : 561 / 7 : 91 ، 509